محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه ، وينهك قواه ، ويشغله عن طاعة ربه ، وأداء فرائضه ، فذلك من السرف ، وأن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه ، وينهك قواه ، ويضعفه عن أداء فرائض ربه ، فذلك من الإقتار ، وبين ذلك القوام على هذا النحو ، كل ما جانس ما ذكرنا . فأما اتخاذ الثوب للجمال ، يلبسه عند اجتماعه مع الناس ، وحضوره المحافل والجمع والأعياد ، دون ثوب مهنته ، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه ، مما ارتفع عما قد يسد الجوع ، مما هو دونه من الأغذية ، غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته ، فذلك خارج عن معنى الإسراف ، بل ذلك من القوام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض ذلك ، وحض على بعضه ، كقوله : " ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين . ثوبا لمهنته ، وثوبا لجمعته وعيده " وكقوله : " إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثره عليه " ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيناها في مواضعها . وأما قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً فإنه النفقة بالعدل والمعروف ، على ما قد بينا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي سليمان ، عن وهب بن منبه ، في قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال : الشطر من أموالهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً النفقة بالحق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال : القوام : أن ينفقوا في طاعة الله ، ويمسكوا عن محارم الله . حدثني يونس قال : أخبرني إبراهيم بن نشيط ، عن عمر مولى غفرة ، قال : قلت له : ما القوام ؟ قال : القوام : أن لا تنفق في غير حق ، ولا تمسك عن حق هو عليك . والقوام في كلام العرب ، بفتح القاف ، وهو الشيء بين الشيئين . تقول للمرأة المعتدلة الخلق : إنها لحسنة القوام في اعتدالها ، كما قال الحطيئة : طافت أمامة بالركبى ان آونة * يا حسنه من قوام ما ومنتقبا فأما إذا كسرت القاف فقلت : إنه قوام أهله ، فإنه يعني به : أن به يقوم أمرهم وشأنهم . وفيه لغات أخر ، يقال منه : هو قيام أهله وقيمهم في معنى قوامهم . فمعنى الكلام : وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلا ، لا مجاوزة عن حد الله ، ولا تقصيرا عما فرضه الله ، ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحه جل ثناؤه ، وأذن فيه ورخص . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلَمْ يَقْتُرُوا فقرأته عامة قراء المدينة " ولم يقتروا " بضم الياء وكسر التاء من : أقتر يقتر . وقرأته عامة قراء الكوفيين وَلَمْ يَقْتُرُوا بفتح الياء وضم التاء من : قتر يقتر . وقرأته عامة قراء البصرة " ولم يقتروا " بفتح الياء وكسر التاء من قتر يقتر . والصواب من القول في ذلك ، أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب ، وقراءات مستفيضات وفي قراء الأمصار بمعنى واحد ، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب . وقد بينا معنى الإسراف والإقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وفي نصب القوام وجهان : أحدهما ما ذكرت ، وهو أن يجعل في كان اسم الإنفاق بمعنى : وكان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما : أي عدلا ، والآخر أن يجعل بين هو الاسم ، فتكون وإن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع ، كما يقال : كان دون هذا لك كافيا ، يعني به : أقل من هذا كان لك كافيا ، فكذلك يكون في قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً لأن معناه : وكان الوسط من ذلك قواما . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ . . . لَهُ الْعَذابُ . . . سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ